الجاحظ

154

المحاسن والأضداد

الحواريين إن ابن آدم مخلوق في الدنيا في أربع منازل : هو في ثلاث منها واثق ، وهو في الرابعة سيئ الظن يخاف خذلان اللّه إياه ، فأما المنزلة الأولى فإنه خلق في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، فوفاه اللّه رزقه في جوف ظلمة البطن ، فإذا أخرج من ظلمة البطن ، وقع في اللبن لا يخطو إليه بقدم ولا ساق ، ولا يتناوله بيد ، ولا ينهض إليه بقوة ، بل يكره إليه إكراها ، ويؤجر إيجارا حتى ينبت عليه لحمه ودمه ، فإذا أرتفع عن اللبن ، وقع في المنزلة الثالثة من الطعام من أبويه يكسبان عليه من حلال وحرام ، فإن ماتا ، عطف عليه الناس ، هذا يطعمه ، وهذا يسقيه ، وهذا يؤويه ، وهذا يكسوه . فإذا وقع في المنزلة الرابعة ، واشتد واستوى ، وكان رجلا ، خشي أن يرزق ، فيثب على الناس ، فيخون أماناتهم ، ويسرق أمتعتهم ، ويغصبهم أموالهم مخافة خذلان اللّه تعالى إياه .